أكد منتدى الاستراتيجيات الأردني إلى أن إجراء التعديلات على قانون الضمان الاجتماعي بصورة مبكِّرة وتدرّجية وشفافة يقلّل كثيرًا من أثرها على المجتمع، مقارنة بالإجراءات المتأخرة والمفاجئة التي تُتخذ تحت ضغط مالي.
وأوضح في تقرير جديد بعنوان “إطار هيكلي لاستدامة الضمان الاجتماعي: تحليل متعدد الأبعاد”، أن قضية إصلاح منظومة التقاعد تمسّ جميع العاملين في الأردن، وكل المتقاعدين مستقبلًا، ما يجعل الشفافية واجبًا لا غنى عنه، مشددا على أن الحوار العام المستنير بالمعلومات الدقيقة أصبح ضرورة للحفاظ على مصداقية العقد الاجتماعي بين الأجيال، وتعزيز الثقة في النظام التقاعدي.
مبينا أن هذا يبرز أهمية إجراء قراءة متأنية للتعديلات المقترحة، وتقديم تبرير علمي لكل منها، بما يسهم في الوصول إلى التوافق المجتمعي الذي يوازن بين حماية حقوق المشتركين، واستدامة النظام على المدى الطويل.
وأصدر المنتدى تقريره، في ضوء موافقة مجلس الوزراء مؤخرًا على مبررات مشروع القانون المعدّل لقانون الضمان الاجتماعي لعام 2026 في الأردن، وما أعقب ذلك من نقاشات واسعة حول عدد من التعديلات المقترحة، ولا سيما الزيادة التدريجية في سن التقاعد المبكر وسن الشيخوخة.
ويهدف التقرير إلى تقديم قراءة شاملة للإطار الهيكلي الذي يحكم استدامة أنظمة الضمان الاجتماعي، انطلاقًا من أن إصلاحًا بهذا الحجم لا يمكن أن يُختزل في تعديلات فنية أو تشريعية محدودة، بل يتطلب حوارًا وطنيًا مستنيرًا وشفافًا يستند إلى الأدلة والتوقعات وفق الدراسات الاكتوارية، والواقع الاقتصادي على المدى الطويل.
وأشار المنتدى في ورقته، الى أن هناك مجموعة من العوامل الهيكلية المترابطة، التي تحدد الجدوى المالية لأي نظام ضمان اجتماعي على المدى الطويل؛ فاستدامة الضمان الاجتماعي لا تتعلق بقرار واحد أو بعدة قرارات منفصلة، بل بكيفية تفاعل الاتجاهات الديموغرافية، والأداء الاقتصادي، والتصميم المؤسسي، ونتائج استثمارات أموال الضمان الاجتماعي عبر الزمن، وغيرها.
وفي هذا السياق، طوّر منتدى الاستراتيجيات الأردني إطارا هيكليا لاستدامة أنظمة الضمان الاجتماعي، يعتمد على عدة محركات مترابطة مع بعضها البعض، وهي (العوامل الديموغرافية، الأداء الاقتصادي، هيكلية سوق العمل، تصميم النظام، عوائد الاستثمار، الإدارة الرشيدة والحوكمة، العوامل الاجتماعية والسياسية). حيث تؤثر تلك المحركات بدورها تأثيرًا مباشرًا على ديمومة الأنظمة وكفايتها وعدالتها عبر الأجيال.
وضمن محرك العوامل الديموغرافية والذي يتضمن التركيبة العمرية للسكان، ومعدلات الإنجاب، والعمر المتوقع، والهجرة، نوه التقرير الى أن التركيبة العمرية تُؤثر بشكل مباشر على التوازن بين المساهمين في النظام والمستفيدين منه. فعند ارتفاع نسبة السكان من المسنين، ترتفع نسبة الإعالة، ما يعني أن عددًا أقل من العاملين يموّل عددًا أكبر من المتقاعدين. وهو ما يفرض ضغوطًا مستمرةً على أنظمة الاشتراكات القائمة ما لم يتم إجراء تعديلات تواكب التغيرات الديموغرافية.
وأشار التقرير إلى أن التحولات الديموغرافية تحتاج من (20–30) سنة لإحداث تغييرات هيكلية في التركيبة السكانية. حيث قام منتدى الإستراتيجيات الأردني بإجراء مقارنة للتركيبة السكانية ما بين عامي 2024 و2050، وفق تقديرات دائرة الإحصاءات العامة. والتي أظهرت أن قاعدة المؤمن عليهم تتركز حاليًّا في الفئات العمرية الوسطى، في حين تشير التوقعات السكانية إلى ارتفاع متسارع في نسبة كبار السن بحلول عام 2050 (وهي فئة ضئيلة من العاملين في الأردن)، ويعني ذلك أن هناك زيادة تدريجية في نسبة الإعالة المستقبلية، ما يفرض ضغوطًا إضافية على أنظمة الضمان الاجتماعي القائمة.
